أحمد بن محمد القسطلاني

360

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الساعدي ( رضي الله عنه ، قال ) : ( كان الناس يصلون مع النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وهم عاقدو ) بالواو ولأبي الوقت : عاقدي ، أي : وهم كانوا عاقدي ( أزرهم ) بضمتين ، جمع إزار ، وهو : الملحفة . وفي الفرع أزرهم ، بسكون الزاي ( من الصغر ) أي : من صغر أزرهم ( على رقابهم ) فكان أحدكم يعقد إزاره على رقبته ، وكان هذا في أول الإسلام حين قلة ذات اليد ( فقيل للنساء ) ، إذ كن متأخرات عن صف الرجال قبل أن يدخلن في الصلاة ، ليدخلن فيها على علم ، أو وهن فيها ، كما يقتضيه التعبير بفاء العطف في قوله : فقيل للنساء : ( لا ترفعن رؤوسكن ) من السجود ( حتى يستوي الرجال ) حال كونهم ( جلوسًا ) لما عرف من ضيق أزر الرجال ، لئلا تقع أعينهن على عوراتهم . واستنبط منه التنبيه على جواز إصغاء المصلي في الصلاة إلى الخطاب الخفيف وتفهمه ، وهو مبني على أنه : قيل لهن ذلك داخل الصلاة ، لكن جزم الإسماعيلي بأنه خارجها . وحينئذ فلا معنى لقول المؤلّف في الترجمة للمصلي ، ولا وجه لجزمه . بل ، الأمر محتمل لأن يكون القول خارج الصلاة وداخلها ، ويكون القائل في غير الصلاة ، فلا يتعين أحد الاحتمالين إلا بدليل . نعم ، مقتضى التعبير بالفاء في قوله : فقيل للنساء ، يعين وقوعه وهن داخلها ، كما مر . لكن وقع عند المؤلّف في باب : إذا كان الثوب ضيقًا ، بدون التعبير بالفاء ، ولفظه : وقال ، وفسر القائل به : عليه الصلاة والسلام ، وللكشميهني : ويقال ، وهو أعم من أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو غيره . 15 - باب لاَ يَرُدُّ السَّلاَمَ فِي الصَّلاَةِ هذا ( باب ) بالتنوين ( لاّ يرد ) المصلي ( السلام ) باللفظ على المسلم ( في الصلاة ) لأنه خطاب آدمي . 1216 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قال حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : " كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ ، فَلَمَّا رَجَعْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ وَقَالَ : إِنَّ فِي الصَّلاَةِ شُغْلاً " . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن أبي شيبة ) الكوفي الحافظ ، أخو عثمان ( قال : حدّثنا ابن فضيل ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة ، محمد ، واسم جده : غزوان ( عن الأعمش ) سليمان بن مهران ( عن إبراهيم ) النخعي ( عن علقمة ) بن قيس النخعي ( عن عبد الله ) بن مسعود ، رضي الله عنه ( قال ) : ( كنت أسلم على النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وهو في الصلاة فيرد عليّ ) السلام ( فلما رجعنا ) من عند النجاشي ، ملك الحبشة إلى المدينة ( سلمت عليه ) وهو في الصلاة ( فلم يرد عليّ ) السلام باللفظ ( وقال ) عليه الصلاة والسلام لما فرغ من الصلاة وللمستملي : قال : ( إن في الصلاة شغلاً ) لا يمكن معه الاشتغال بغيرها ، وللكشميهني ، والأصيلي ، وابن عساكر ، وأبي الوقت : لشغلاً ، بزيادة لام التأكيد . 1217 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما - قَالَ : " بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ لَهُ ، فَانْطَلَقْتُ ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَقَدْ قَضَيْتُهَا ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَدَ عَلَىَّ أَنِّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَشَدُّ مِنَ الْمَرَّةِ الأُولَى ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَىَّ فَقَالَ : إِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي . وَكَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ " . وبه قال : ( حدّثنا أبو معمر ) بفتح الميمين وسكون العين ، بينهما ، عبد الله بن عمرو التميمي المقعد المنقري ، بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف ( قال : حدّثنا عبد الوارث ) بن سعيد التنوري ، بفتح المثناة وتشديد النون ، البصري ، قال : ( حدّثنا كثير بن شنظير ) بكسر المعجمة وسكون النون بعدها ظاء معجمة مكسورة ، وهو لغة السيئ الخلق ، علم عليه ( عن عطاء بن أبي رباح ) بفتح الراء والموحدة آخره مهملة ( عن جابر بن عبد الله عنهما ، قال ) : ( بعثني رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، في حاجة له ) في غزوة بني المصطلق : ( فانطلقت ، ثم رجعت وقد قضيتها ، فأتيت النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فسلمت عليه ، فلم يرد عليّ ) السلام باللفظ ( فوقع في قلبي ) سقط من الحزن ( ما الله أعلم به ) مما لا أقدر قدره ، ولا يدخل تحت العبارة ، و : ما ، فاعل بقوله : وقع ، والجلالة الشريفة ، مبتدأ أو خبره التالي ( ففلت في نفسي : لعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وجد ) بفتح الواو والجيم ، أي : غضب ( علي أني ) وللكشميهني : أن ( أبطأت عليه ، ثم سلمت عليه ، فلم يرد علي ) السلام باللفظ ( فوقع في قلبي ) من الحزن ( أشد من ) الذي وقع فيه في ( المرة الأولى ) . في رواية مسلم ، من طريق الزبير عن جابر : فقال لي بيده هكذا . وفي رواية أخرى : فأشار إلي . فيحمل قوله في رواية البخاري ، فلم يرد علي ، أي باللفظ ، كما مر . وكأن جابرًا لم يعرف أولاً أن المراد بالإشارة الرد عليه ، فلذلك قال : فوقع في قلبي ما الله أعلم به . ( ثم سلمت عليه فرد علي ) السلام بعد أن فرغ من صلاته باللفظ ( فقال ) في رواية : وقال : ( إنما منعني أن أرد عليك ) السلام إلا ( أني كنت أصلي ) . ( وكان ) عليه الصلاة السلام يصلّي نفلاً وهو راكب